محمد أبو زهرة

1707

زهرة التفاسير

وإن الذي يبدو لنا من ظاهر النص أنه يراد به سحقهم في القتال ، وحملهم على أن يولوا الأدبار ، فتكون وجوههم غير بادية بصورها ، بعد أن كانوا مقبلين بها ، فأزالها السيف والخوف ، وجعل صورتها مختفية ، وأقفيتهم هي البادية الواضحة ، فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت محلها صورة الأدبار . وعلى ذلك يكون المعنى أنكم استرسلتم في غيكم وضلالكم ، ومع ذلك نطالبكم بالهداية والإيمان قبل أن ينزل الله سبحانه وتعالى غضبه عليكم في الدنيا إذ تماديتم ، وذلك بتسليط المؤمنين بالحق عليكم ، فيذيقونكم بأس القتال فتفرون ، وتختفى وجوهكم ، وترد إلى مواضع الأدبار ، فلا ترى إلا أدباركم . وإذا لم يكتب الله سحقكم وحملكم على تولى الأدبار ، فإنكم ستلعنون كما لعن أصحاب السبت ، وتطردون من رحمته ، ويكتب عليكم الذل إلى يوم القيامة . أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا اللعن الطرد من الرحمة وإنزال العذاب ، وقد كان في شريعة بني إسرائيل ألا يعملوا في يوم السبت ليستريحوا وينصرفوا للعبادة ، والتعاون الاجتماعي ، ولكن رغبتهم في المال وشرههم إليه كان يحمل بعضهم على العمل ، فإنه كانت قرية كبيرة تطل على البحر ، قد اختبرها الله تعالى ، فكانت في يوم السبت تأتيهم الحيتان ظاهرة في هذا اليوم الذي ينقطعون فيه عن العمل ، ولا تأتيهم في اليوم الذي يعملون فيه ، ليحملهم الله تعالى على الطاعة للأوامر الإلهية ، وليدركوا سر الله في خلق الكون ، وأنه فعال لما يريد ، وهذا قوله تعالى : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 163 ) [ الأعراف ] : وقال سبحانه : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) [ البقرة ] فالله سبحانه عاقب الذين اعتدوا في السبت بأن سلط عليهم نزوات أهوائهم وشهواتهم ، وبها ضربت عليهم الذلة ، ولعنهم الله تعالى ، فكذلك هؤلاء الذين عاندوا وكفروا . وذلك أمر قدره الله عليهم فهم ملعونون في كل الأجيال